هل كان جدي بخيلا ؟ اتذكر جدي رخمه الله فقد توفي في الخامسة والتسعين من عمره قبل ذكرى ميلادي العشرون بستة عشر يوما ... جدي كان مميزا بالنسبة لي ولافراد العائلة كان الآمر الناهي الذي لا تصير كلمته اثنين كما يقولون بالعامية .... لي معه حكايا وحكايا فقد كنا نسكن في نفس البناية ويوميا نصبّحه ونتردد مساء الى الطابق الرابع حيث كان يقيم مع زوجته الجديدة ( كنا نناديها خالتي ) التي اختارها بعد وفاة جدتي لتعيش معه ! هل كان جدي بخيلا ؟ كنت أظن ذلك وأعرف ذلك رغم ان لااحداتهمه بالبخل غيري وقد اثبت عليه التهمة حتى سنين خلت ثم ادركت الحقائق ... جدي تميز بصوته العلي ونبرته الحادة ودائما تساؤلاته واستفهاماته ! ليش تاركين الضو مضوى؟ وما في حدا بالقودة ؟ مابتفهموا كل مرة منقول طفواالضو وراكن لا حول ولا قوة الا بالله ثم يطفيء الضوء ولا احد يتجرأ ان يقول أنا وكنانحن الصغار انا والاحفاد نتعجب واذا تركناه مضيئا ؟ ماذا ستصرف اللمبه ؟ ولكن جدي كان يجاوب نفسه حرام ؛ عالفاضي ؛ ومصروف ؛ اما عن فضلات الطعام فلا تسل ؛ فلم اسمع بالحر اصبع الا عندما كنت في ضيافته ؛ اما البطاطا بالكزبرة اليابسة فقد كانت تطهيها خالتي بالبطاطا المقليه التي تبيت الى اليوم التالي فتقطعها وتسخنها ثم تضيف البهارات ؛ اما البطيخ فاذكر كيف كانت خالتي رحمها الله تغسل البذور ثم تضعهم بالمصفاة تحت اشعة الشمس ليجفوا قبل التحميص ؛ والخضار او الارز دائما تسخنه خالتي وكأنه طازة ؛ والقهوة دائما على عدد من سيشربها فقط (ما حدابيسخن قهوة وما بدنا نكب ) ، كان كلما ارادان يتناول وجبته في المريجات يبحث اين القطة حتى يبس لها اللقمة وكنا نحن الصغار لا نحب القطط ولكن دائما يطلبها ويردد ( روح بدها تاكل ) ! كان جدي يحتفظ بكل ما هو قابل للاستعمال وكان عنده غرفة وراء المنزل يضعفيها كل اغراضه التي نسميها نحن كراكيب ؛ كان يطلب من زوجته ان تغسل اكياس النايلون لاستعمالها ثانية لانها كانت نادرة و( حرام نكبها ) كذلك سطولة البلستيك التي درجت في نهاية عصره ، اما ابريق الحمام فكان من حديد التوتيا واذا ما اصابه خمشة او نكزة بسيطة يسأل جدي مين كان بالحمام ؟ اما في المريجات فجدي كان يتضايق اذا ما ( شطفناالبيت) " ولو فيكن تمسحوا تمسيح بسطل مي " وكان يلاحظ اذا نقصت مياه البركة التي كنا نغمس فيها نربيش الماء لنسحب ما نريد من الماء ونشطف بالنربيش وكنا نستغل يوم الجمعه حيث يكون في بيروت ليصلي الجمعه ويذهب الى الحلاق ويزور المقابر فيزور جدتي بسيمة رحمها الله وياخذ لها معه ما تفتح من ورود كانت تشرف بنفسها على رعايتها وسقايتها ؛ فنأخذ راحتنا ونشطف كما نحب . اما حين موسم القطاف فنقطف بعد استئذانه لانه يحب ان يبقى الثمر على امه فيقطف كل الافراد ويتذوقون الخوخة او النجاصة والعنب والتين : اما تينة جدي ذو الحبة الكبيرة فهي خاصته وكلنا كان يشتهي لو يصح له ان يقطف منها متى ما يشاء ولكن محال فجدي يوميا يتروق تحت التينة ويستفسر عن التينات واين تلك التينة التي كانت على وشك ان تنضج ؟ من قطفها؟ ولم قطفها قبل وقتها ؟ والعنب ايضا كنا لا نقطف الا بعلم جدي لانه يلزمنا السيبة ؟ سيبة قديمة من ٣ درجات لونها الازرق بهت مع الايام وثبت جدي درجاتها واعمدتها ؛ فجدي كان يهوى التنجير وكان بنفسه يصنع ( جحاش ) ليضع عليهم نصبات العريش ، كان بنفسه يشحل الورد والشجر حتى العام١٩٧٤ لانه في العام الذي تلى تنبأ انه ما في صيفيه هذه السنة بسبب الاوضاع الامنيه ولكن بسبب آخر لم يصيف جدي في العام١٩٧٥ فقد توفي في ٢٥ ايار ولم يمرض الا في اليوم نفسه رحمك الله ياجدي ابو كمال ! ترى هل كان جدي بخيلا ؟ الآن اقول لا لم يكن بخيلا لاننا الان نعرف كم كان محافظا على البيئة ولكن بطريقته الخاصة هكذا افسر تصرفاته ؛ كان لا يحب هدر الماء لاننا قد نحتاجه لسقاية النباتات اكثر من الشطف ولا هدرالطعام لانه قد عاش في الحرب فعرف قيمته او الاواني او الاكياس لان رميها هدر لمصادرها فقد تنفد ؛ كان رحيما بالحيوانات اكثر من جمعية الرفق بالحيوان، كان جدي يعتمد على نفسه في جميع اعماله يعرف انه ما حك جلدك مثل ظفرك ؛ كان لا يسمح للصغار بقطف الثمار لانهم لا يميزون الناضج من النيء ويكسرون الاغصان سهوا ؛ جدي لم يكن بخيلا كانت العيديه التي يناولنا لها جدي حرزانة لا احد يعطينا خمس ليرات جديدة في العيد الا جدي العوام يعطوننا ليرة وخالتي انعام وخالي فواد يعطوننا ليرتين وجدي خمس خضراء جديدة تطقطق ونحن نحملها بتأن وننظر الى لمعانها جدي لم يكن بخيلا جدي رحمه الله نجا من حرب المجاعة حرب سفر برلك بعد ان تنازع مع ابنه على كسرة الخبز ،فعرف قيمة الكسرة وخسر ولده الصغير كمال ! جدي عاش ويلات المجاعة والحروب فعرف قيمة كل ذرة من النعم التي لم نقدرها نحن ! الغريب والمضحك ان ابي مثل جدي في حفاظه على الاشياء والكراكيب ولكن لا ليس غريبا فالولد سر ابيه
Monday, December 10, 2012
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment